خلال الفترة التي سبقت هروب هتلر وإيفا براون من ألمانيا, لم تكن القيادة الألمانية على معرفة بأنه قد تم الإستيلاء على جهاز انيجما(ENIGMA) لتشفير الرسائل من إحدى الغواصات الألمانية التي تمكنت قوات الحلفاء من السيطرة عليها قبل أن يقوم طاقمها بتفجيرها. وبداية شهر فبراير/1945, لاحظت قوات الحلفاء من أن هناك رسائل مشفرة يتم تبادلها بين جهات ألمانية حيث لم يتمكنوا من فك تشفيرها حتى وقوع جهاز فك تشفير الرسائل يدعي (T-43) في أيدي الحلفاء إثر الهجوم على أحد المقرات التي يستخدمها هتلر في منطقة بيرتشتيسجادن(Berchtesgaden) واستسلام الحراس بدون مقاومة. وقد كان ذلك الجهاز غير معروف لقوات الحلفاء قبل ذلك. ولكن مازال الحلفاء عاجزين عن فك تلك الرسائل المشفرة على الرغم من أنهم تمكنوا من فك تشفير الجهاز الذي تستخدمه قوات الجيش الأحمر ويدعى (Russian Fish) قبل حتى أن يتمكنوا من الاستيلاء على جهاز انيجما(ENIGMA). مارتن بورمان كان شخصا عبقريا لم يترك أي خطأ للصدفة ولذلك كان قسمٌ كبير من إهتماماته منصبٌّ على تطوير أجهزة وطرق التشفير.
جزيرة (Jandia Peninsula) التي تقع في أرخبيل جزر الكناري الإسبانية كانت أحد محطات هروب هتلر حيث كانت مساحتها تساوي 44 ألف فدان وكانت تحتوي على قاعدة عسكرية وسكنية تدعى Villa Winter base تحتوي على جهاز فك التشفير(T-43). الإهتمام الألماني بتلك الجزيرة كان مبكرا حيث قام وزير الطيران النازي غورينغ بإرسال بعثة عسكرية تحت غطاء رحلة صيد في سبيل استكشاف الجزيرة بهدف استغلالها عسكريا. ولكن بورمان قد قرر لاحقا تحييد الجزيرة عن الأعمال العسكرية حتى لا يلفت الأنظار حيث قرر إستخدامها ضمن مخطط بهدف تهريب هتلر من ألمانيا الى منفاه النهائي في الأرجنتين. الجزيرة وبعد شرائها بواسطة شركة إسبانية كانت تستخدم واجهة من أجل إخفاء هوية المشتري الحقيقي قد شهدت أعمال بناء وتطوير تحت إشراف Gustav Winter وهو أحد ضباط جهاز المخابرات العسكرية الألماني(Abwehr) حيث تم لاحقا تركيب جهاز (T-43) من أجل التواصل مع الغواصات الألمانية خصوصا تلك التي كانت سوف تقوم بمهمة تهريب هتلر من ألمانيا مرورا بالجزيرة في طريقه الى الأرجنتين.
ولكن لماذا تم إختيار الأرجنتين الوجهة النهائية لإقامة هتلر وعدد من القيادات النازية؟
لقد تم إكتشاف الأرجنتين من قبل الحملات الاستكشافية الإسبانية حيث أطلق عليها إسم (Argentum) أو أرض الفضة وذلك على الرغم من عدم إكتشاف الذهب أو الفضة. ولكن الأرجنتين تتميز بتربتها الخصبة ومناخها المعتدل حيث يمكن تربية المواشي من أجل القيام بتصدير الجلود واللحوم. وقد شهد ذلك القطاع طفرة هائلة إثر التطور في تقنيات التبريد حيث أصبح بالإمكان التصدير إلى الخارج مما أدى الى زيادة أرباح المستوطنين الإسبان وزيادة أعدادهم. وفي مرحلة لاحقة إثر توحيد ألمانيا بقيادة بسمارك, ازداد عدد المهاجرين الألمان الى الأرجنتين خصوصا مقاطعة باتاغونيا(Patagonia) وهي التي تم إختيارها مكان الإقامة النهائي للزعيم النازي وذلك لمجموعة أسباب:
أولا- سيطرة المهاجرين الأوروبيين خصوصا الألمان على نسبة كبيرة من الأراضي في المقاطعة
ثانيا - مساحتها الشاسعة وعدد سكانها القليل نسبيا
ثالثا- موقعها الحيوي والهام بين جبال الأنديز والمحيط الأطلنطي
رابعا- وجود عدد كبير من أعضاء الحزب النازي وامتداد نفوذهم الى الدوائر الحكومية ومختلف المسؤولين حتى أن أحد رجال الأعمال الألمان قد قام بإهداء زوجة الرئيس الأرجنتيني إيفا براون منزل راقيا في ضاحية (Belgrano) في العاصمة بوينس أيرس.
إن كبار المسؤولين الألمان كانت لديهم حسابات وتعاملات مع بنوك أرجنتينية خصوصا وزير الطيران غورنج وكذلك وزير الدعاية النازي غوبلز الذي كان لديهم حسابات بقيمة 2 مليون دولار تقريبا لكل منهما. كما قام مارتن بورمان بشراء شركات وعقد شراكة مع شركات مختلفة في الأرجنتين حيث افتتح حسابات في بنوك أرجنتينية وقام بتهريب كميات ضخمة من الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة الى الأرجنتين تحضيرا لعملية هروب هتلر. وقد بلغت تلك الأموال حتى سنة 1948 مايصل الى 1.2 مليار دولار أي ما يعادل 50 مليار دولار بسعر هذه الأيام.
يتبع……
No comments:
Post a Comment