إن ألمانيا قد بلغت ذروة قوتها في بداية شهر أكتوبر/1942 فقد كانت قوات الجيش الألماني السادس على وشك احتلال مدينة ستالينغراد حيث كان القتال يدور من شارع الى شارع, ومن بيت الى بيت, بل ومن غرفة الى غرفة. أما في الشرق الأوسط, فقد كان فيلق الصحراء الذي يقوده الجنرال الألماني رومل على أبواب مدينة الإسكندرية في منطقة العلمين التي تبعد تقريبا 200 كم عنها وذلك كان أمرا بالغ الأهمية بالنسبة الى بريطانيا لأن الأوامر التي كانت لدى رومل هي إحتلال القاهرة والسيطرة على قناة السويس مما يعني تهديد منابع النفط في الشرق الأوسط والهند, درة التاج الإمبراطوري البريطاني. أما في جبهة المحيط الأطلنطي, فقد كان سلاح الغواصات الألمانية يغرق أعدادا متزايدة من السفن الحربية وسفن التموين والإمداد التي كانت تزود بريطانيا باحتياجاتها الضرورية مما أدى الى صعوبات حياتية ونقص في الغذاء والوقود.
مكتب المخابرات البريطانية كان قد نجح منذ سنة 1940 في فك عدد من الشفرات الألمانية ولكنه بقي عاجزا عن شفرات جهاز تشفير الرسائل المعروف بإسم انيجما(Enigma) والذي كان يستخدم بشكل رئيسي في البحرية الألمانية خصوصا سلاح الغواصات. وفي شهر مايو/1941, تم تحقيق إنجاز نوعي حيث تم الإستيلاء على جهاز إنيجما مع دليل التشغيل الخاص بها من إحدى الغواصات الألمانية مما أدى الى تحقيق تفوق نوعي للحلفاء الذين أصبحوا قادرين على معرفة جميع خطط وعمليات سلاح البحرية الألماني ومواقع قطعاته وغواصاته. ولكن خلال شهر فبراير/1942, نجحت ألمانيا في إجراء تعديل على جهاز أنيجما مما أدى الى حرمان قوات الحلفاء من ذلك التقدم. خسائر الحلفاء كانت بالغة. خلال شهر نوفمبر/1942, خسر الحلفاء ما مجموعه 730 ألف طن من السفن والإمدادات. وخلال سنة 1942, بلغ مجموع ما خسره الحلفاء من الإمدادات 1661 سفينة و6.5 مليون طن من الإمدادات. وخلال نفس السنة, تمكنت قوات الحلفاء البحرية من إغراق 87 من الغواصات الألمانية مقابل 238 غواصة جديدة دخلت الخدمة. رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرشل ذكرت صراحة أن إنتصار الحلفاء في الحرب متوقف على هزيمة أسطول الغواصات الألماني(The U-BOATS).
إن مسألة إندلاع الحرب العالمية الثانية لم تكن إلا مسألة وقت وذلك بسبب عدة عوامل. أول تلك العوامل هو أن مسألة إقليم السوديت والذي كان كان ضمن أراضي تشيكوسلوفاكيا وتطالب به ألمانيا و اضطهاد الأقلية الألمانية في بولندا هي مسائل قد تركت معلقة. سكان إقليم السوديت كانوا من أصول ألمانية وهم يشكلون أغلبية من سكان الإقليم وتقريبا ما نسبته أكثر من 20% من سكان تشيكوسلوفاكيا. العامل الثاني هو فرض غرامات مالية باهظة على ألمانيا القيصرية قدرت بمبلغ 132 مليار مارك ذهبي, أي مايعادل 31.4 مليار دولار بأسعار الصرف السائدة خلال تلك الفترة. العامل الثالث هو الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 والتي عرفت بأزمة الكساد العظيم وكانت السبب في صعود الحركات الفاشية والنازية في كل من إيطاليا وألمانيا.
إن أزمة الكساد العظيم(1929-1933) والتي بدأت في الولايات المتحدة وتحولت الى أزمة اقتصادية عالمية كانت نتيجتها أن الإقتصاد العالمي القائم على الاقتراض والدين قد إنهار. ألمانيا قد أصبحت عاجزة عن تصريف إنتاج مصانعها وبالتالي عن دفع قروضها وتعويضات الحرب بموجب معاهدة فرساي. النتائج المباشرة كان التضخم المفرط حيث فقدت العملة الألمانية قيمتها وزيادة نسبة العاطلين عن العمل الى مستويات مرتفعة. أحد النتائج غير المباشرة كان تضخم عضوية الحزب النازي من بضعة مئات الى أكثر من 120 ألفا حيث فازوا بالانتخابات التشريعية سنة 1932 بنسبة 37.3% من أصوات الناخبين. وقد زادت تلك النسبة الى 44% إثر الانتخابات التي عقدت بتاريخ مارس/1933/5 خلال الفترة التي أعقبت حادثة حريق مبنى الرايخستاج.
وعلى القارئ حتى يكون مطلعا على الحجم الكارثي لمشكلة الديون الألمانية أن يعلم أن البداية كانت بقرض قيمته 200 مليون مارك ألماني ووصلت الى 37 مليار مارك ألماني خلال الفترة(1921-1931). وذلك بالإضافة الى ديون الحرب التي ترتبت بموجب معاهدة فرساي. لقد كان هناك الكثير على المحك حيث كانت كبريات الشركات الأمريكية خصوصا شركات فورد, جنرال موتورز, جنرال الكتريك دوبونت تستثمر في الصناعة الألمانية عبر مكتب المحاماة الأمريكي المشهور سوليفان و كرومويل الذي كان يعتبر ملتقى الشركات المهتمة بالاستثمار في ألمانيا حيث عمل الأخوان جون ألان فوستر دالاس, جون شغل لاحقا منصب وزير الخارجية بينما شقيقه منصب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ولكن علاقة الأخوان دالاس مع ألمانيا تجاوزت الإستثمار والصناعة حيث قدما تبرعات الى حملة هتلر الإنتخابية التي أدت إلى وصوله الى منصب المستشارية سنة 1932
وفي اليوم التالي لتنصيب هتلر رئيسا للوزراء بتاريخ ٦/٣/١٩٣٤ صوَّتَ البرلمان الألماني على قانون يسمح لهتلر بأن يحكم ألمانيا بواسطة المراسيم حيث إكتملت سيطرته المطلقة على الحكم بمجرد وفاة الرئيس الألماني باول فون هيندنبورغ في ٢ أغسطس ١٩٣٤ حيث جمع هتلر بين سلطات منصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وحيث إكتسب برنامج إعادة تسليح ألمانيا زخما متسارعا وبدأ العد التنازلي لبداية الحرب العالمية الثانية.
يتبع……