إنَّ الرواية المعتمدة حول أيام هتلر الأخيرة أنه وعشيقته إيفا براون التي تزوجها ليلة 30 أبريل/1945 قد قاما بعد عقد مراسم القران بالدخول الى غرفته في الحصن الذي يقع أسفل مبنى المستشارية والإنتحار, هتلر أطلق النار داخل فمه الذي كان يحتوي على كبسولة سيانيد بينما قامت إيفا براون بابتلاع كبسولة سيانيد أدت الى وفاتها. ولكن هناك الكثيرين ممن يختلفون مع تلك الرواية ويشككون فيها وأن هتلر قد نجح في الهروب من ألمانيا رفقة إيفا براون الى الأرجنتين حيث عاش الزوجان حياة طبيعية حتى وفاتهما. يعتقد البعض أن قضية هروب هتلر وعشيقته هي إحدى نظريات المؤامرة ولكن ذلك لم يكن وجهة نظر المؤرخين البريطانيين سيمون دنستان وزميله صانع الأفلام الوثائقية جيرارد ويليامز الذي أصدر سنة 2011 كتاب "الذئب الرمادي, هروب أدولف هتلر" يتحدثان فيه أن هتلر وإيفا براون قد عاشا بعد هروبهم حياة طبيعية في مقاطعة باتاغونيا الأرجنتينية.
وعندما نتحدث عن موضوع مهم وحساس مثل قضية هروب هتلر أو إنتحاره, علينا أن لا ننسى مقولة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرشل:"التاريخ يكتبه المنتصرون." هناك أدلة كثيرة تؤيد رواية هروب هتلر وتخرجها من إطار نظرية المؤامرة وتجعلها أقرب الى الواقع.
أول تلك الأدلة أن الجمجمة التي يزعم أنها تعود الى أدولف هتلر وهي محتفظ بها في أرشيف الإتحاد السوفياتي السابق تبين أنها لإمرأة مجهولة عمرها أقل من أربعين عاما وأنها لا تحتوي على ثقب الرصاصة التي من المفترض أن هتلر انتحر بإطلاقها على رأسه.
ثاني تلك الأدلة أن هناك عدد لا يستهان به من كبار القادة النازيين قد اختفوا فجأة حيث لم يتم الإعلان عن وفاتهم ولم يتم العثور على جثثهم ولم تصل نتائج التحقيقات مع أسرهم الى أي نتيجة. أحد أهم أولئك القادة هو سكرتير هتلر الشخصي ومدير مكتبه مارتن بورمان الذي رفضت أسرته سنة 1989 الأخبار عن العثور على جثته أسفل مبنى المستشارية حيث مقر هتلر المحصن.
ثالث تلك الأدلة أن الجثة المزعومة التي من المفترض أنها تعود لأحد أهم ضباط وحدات(SS)هاينرش مولر قد إتَّضَحَ أنها بقايا ثلاثة أشخاص مختلفين.
رابع تلك الأسباب أن وكالات أنباء مثل رويترز والأسوشياديت برس قد نشرت نصوص مقابلات قامت بإجرائها مع الطيار الألماني بيتر بومجارت الذي نقل هتلر وإيفا براون خارج الأراضي الألمانية ونقل أحد أقارب إيفا براون من بولندا سنة 1947. ولكن تلك المعلومات لم يتم متابعتها أو التحقق منها. كما أن بيتر بومجارت قد اختفى كل أثر له بعد إطلاق سراحه من أحد السجون البولندية. هل قتل وأخفيت حثته أن لحق بزعيمه في منفاه الإختياري؟ هل من الممكن أن يترك مارتن بومان المعروف بدقته وحرصه على الإعتناء بالتفاصيل ذلك الخيط الهام يفلت من يده ويدلي بتلك الاعترافات الخطيرة؟
خامس تلك الأسباب أن الباحث التاريخي والبروفيسور في جامعة أوكسفورد هيوج تريفور روبر قد ألف كتابا بعنوان "أيام هتلر الأخيرة" قد تبيَّنَ أنه تعمد التضليل إذ أنه لم يلتقى بأحد طياري هتلر المفضلين حنا رايتش وأن موظف شركة اللوفتهانزا(شركة الطيران الألمانية) الذي أجرى مقابلة مع هيوج روبر قد اعترف في وقت لاحق أنه تعمد الكذب في روايته. أهمية البروفيسور هيوج وكتابه أنه يعتبر بمثابة رواية شبه رسمية عن إنتحار هتلر وأنه الكتاب قد تم تأليفه بطلب حكومي.
سادس تلك الأسباب أن القائد السوفياتي جوزيف ستالين لم يكن مقتنعا برواية إنتحار هتلر وأنه صرَّحَ بذلك في إجتماع حزبي سنة 1947 وأن الجنرال السوفياتي الأكثر شهرة جورجي زوكوف قد ذكر أنهم لم يجدوا جثة يستطيعون تعريفها يقينا أنها تعود الى أدولف هتلر.
سابع تلك الأسباب أن الجنرال والرئيس الأمريكي السابق دوايت أيزنهاور أبدى شكوكه بخصوص رواية إنتحار هتلر وأنه عبَّرَ عن تلك الشكوك الى نظرائه في الإتحاد السوفياتي والى وكالات إخبارية مثل الأسوشياديت برس.
هناك ثلاثة من أهم الشخصيات النازية قد اختفت أو أحيطت الشكوك حول عملية اختفائها, هتلر, مارتن بورمان و هاينرش مولر بالإضافة الى مئات القادة العسكريين والسياسيين النازيين الذين لم يتم الإعلان عن وفاتهم أو العثور على جثثهم. ولكن في الوقت نفسه وخلال الفترة التي أعقبت سقوط ألمانيا ونهاية الحرب العالمية الثانية, تنامى الوجود الألماني في دول مثل كولومبيا, البرازيل والأرجنتين حيث هناك قرى كاملة يغلب على الحديث فيها اللغة الألمانية والطراز المعماري الألماني. كما أنه هناك زيادة ملحوظة في احتياطي الذهب في الدول الثلاثة منذ بداية سنة 1940 الى نهاية سنة 1945 والتي لا يمكن أن تكون إلا نتيجة تعاملات إقتصادية طبيعية أو أن حكومات تلك الدول قامت بشرها لأنه لم يتم الإعلان من قبلهم عن ذلك.
هل تمَّ إستخدام بدلاء عن هتلر وإيفا براون وتنفيذ أحد أكثر عمليات الخداع والتضليل إتقانا في التاريخ؟
الإجابة هي أن ذلك احتمال وارد لأن وينستون تشيرشل كان لديه بديل واحد على الأقل, الزعيم السوفياتي ستالين كان لديه أكثر من بديل وحتى القائد العسكري البريطاني برنارد مونتغمري كان لديه بديل إستخدمه من أجل تضليل المخابرات الألمانية حول تحركاته خلال الفترة التي سبقت عملية الإنزال في النورماندي. إن هتلر إما أن يكون قد إنتحر فعلا أو أن مارتن بورمان قد نفذ عملية خداع متقنة الى درجة أنه لم يترك ولو أثرا واحدا يدل على ما قام به خلال الفترة 20/مارس/1945-28/إبريل/1945.
هناك أمر لم يلتفت إليه الكثيرون وهي أن تضارب الروايات حول إنتحار هتلر بإطلاق الرصاص على صدغه الأيمن أو في فمه. كما أنه لم يكن هناك حاجة الى ابتلاع حبة السيانيد لأن إطلاق النار على الصدغ أو في الفم هو أكثر من كاف للتسبب بالوفاة الفورية. المؤرخ البريطاني Ian Kershaw ذكر في كتاب السيرة الذاتية التي قام بتأليف عن هتلر في الفصل رقم 28 من الكتاب أنه كان يفكر في الهروب من العاصمة برلين الى منطقة Obersalzberg حيث يوجد منزل هتلر الثاني المعروف بإسم (Berghof) أو وكر الذئب مما يعني أنه الإنتحار لم يكن خيارا لديه حتى في أحلك الظروف التي كان يمر بها. في نفس الفصل رقم 28 من الكتاب, ذكر المؤلف أن ماجدا(Magda) زوجة وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز قد طلبت من هتلر الخروج من برلين خلال الدقائق التي سبقت دخوله الى الغرفة مع إيفا براون و انتحارهما. كما أنه وبعد دخول الزوجين الى الغرفة, كانت هناك عشرة دقائق لم يسمع فيها أي صوت حتى من Otto Günsche الذي كان ضابطا رفيعا في القوات الخاصة(SS) والذي كان يقف على حارسا على باب الغرفة. ومن ثٌمَّ أخذ هاينز لينج برفقة مارتن بورمان زمام المبادرة وقاموا بفتح باب الغرفة بهدوء وأعلنت وفاة هتلر وإيفا براون. الغريب في الأمر أنه من المفترض أن هتلر قد أطلق الرصاص على نفسه بعد ابتلاع حبة السيانيد على الرغم من عدم سماع صوت إطلاق نار وهو مايتناقض مع رواية أخرى وهي الشائعة أن طاقم العاملين في مخبأ هتلر المحصن والمسؤولين الألمان المتواجدين فيه قد سمعوا إطلاق نار بعد وقت قصير من دخول هتلر وإيفا براون الى غرفة هتلر في المخبأ المحصن.
هناك الكثير من المعلومات المثيرة والتي سوف تنكشف تباعا مع متابعة حلقات كتاب "الذئب الرمادي: هروب أدولف هتلر" خصوصا حول مايقال أنها صفقة عقدها مارتن بورمان مع قوات الحلفاء يقوم بموجبها بتسليم الأسرار العسكرية الألمانية وخريطة بمخازن الكنوز التي نهبتها القوات الألمانية من أوروبا خصوصا التحف الأثرية واللوحات الفنية التي لا تقدر بثمن مقابل الموافقة على هروب هتلر وكبار مساعديه من المانيا وعدم ملاحقتهم. إن إسم الكتاب"Grey Wolf: The Escape of Adolf Hitler" مستمد من التسمية التي كانت تطلق على أسطول الغواصات الألمانية, الذئاب الرمادية(Grey Wolves). في إحدى غواصات مجموعة يطلق عليها الإسم الرمزي (Gruppe Seewolf), قام أدولف هتلر وإيفا براون بالهروب الى الأرجنتين.
يتبع……
No comments:
Post a Comment