استغرقت رحلة هتلر وإيفا براون من شبه جزيرة جانديا(Jandia Peninsula) في أرخبيل جزر الكناري إلى منطقة نيكوتشيا(Necochea) في الأرجنتين ٥٣ يوما وذلك في غواصة ضمن مجموعة أسطول (Sea Wolf) الذي يتألف من ثلاثة غواصات هي: U-1235, U-880, U-518. أقام هتلر وإيفا براون لمدة يوم واحد للاستراحة من عناء السفر في مزرعة إستانكيا مورامار (Estancia Moromar) وهي عقار كبير يضم مهبطا للطائرات حيث كان في استقبالهما هيرمان فيجلين(Hermann Fegelein) وهو ضابط في جهاز إس إس(SS) وفي الوقت نفسه زوج شقيقة إيفا براون. وفي تاريخ ٣٠/يوليو/١٩٤٥ وهو اليوم التالي لوصولهما, قامت طائرة تتبع الخطوط الجوية الأرجنتينية بعد أن أقلت هيرمان فيجلن من منطقة مار ديل بلاتا(Mar Del Plata) ثم هبطت في مدرج مزرعة إستانكيا مورامار حيث صعد على متنها هتلر, إيفا براون وعدد من المرافقين وذلك في رحلة سوف تستغرق عدة ساعات إلى مزرعة استانسيا سان رامون(Estancia San Ramon) في منطقة San Carlos De Bariloche في مقاطعة باتاغونيا الأرجنتينية حيث المقر الدائم لإقامة الزعيم النازي وإيفا براون.
إن مكان إقامة هتلر في مقاطعة باتاغويا لم يكن مجهولا لعدد من ضباط المخابرات الألمانية ممن لا ينتمون الى حلقة مارتن بورمان الضيِّقة ومنهم الأدميرال Wilhelm Canaries من ضباط المخابرات البحرية الألمانية الذي إستخدم تلك المزرعة أثناء هروبه من الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى. كما أنَّ القاعدة الالمانية(Villa Winter base) التي إنطلق منها هتلر وإيفا براون في رحلتهما التي إستغرقت ٥٣ تم إعدادها من أحد ضباط المخابرات العسكرية الألمانية Gustav Winter. مارتن بورمان الذي لا يعرف كلمة الصدفة في قاموسه تخلَّص من الأدميرال كاناري الذي كانت تحوم حوله الشكوك في تورطه في محاولة إنقلابية ضد هتلر. محاولة إغتيال هتلر سنة ١٩٤٤ كانت القشة التي قضمت ظهر البعير فقد تورط فيها عناصر من مخابرات البحرية الألمانية. الأدميرال كاناري تم نقله إلى منصب لا قيمة له في مكتب الإنتاج الحربي ثم وضع قيد الاعتقال المنزلي حتى نقل إلى معسكر اعتقال فلوسنبورغ(Flossenburg) وأصدر هتلر أمرا بإعدامه بعد تقديم دليل قاطع على خيانته عبارة عن مذكرات شخصية حيث تم شنقه بتاريخ ٩/أبريل/١٩٤٥ على شجرة التي بقي معلقا عليها عدة أيام من أجل التأكد من وفاته.
إن مقاطعة باتاغونيا الأرجنتينية هي مكان مثالي من أجل إقامة هتلر الدائمة في المنفى حيث هناك عدد كبير من المزارع والمشاريع التي يمتلكها مواطنون ألمان متعاطفين مع أفكار الحزب النازي حيث اللغة الألمانية هي اللغة الأولى في المنطقة وحيث يسهل إكتشاف أي شخص غريب يحاول أن يدس أنفه في شؤون الأخرين.
طاقم العمل في إقطاعية سان ريمون والذي كانت ترأسه طاهية تدعي كارمن تورينجوي (Carmen Torrentuigi) تلقى خبر وفاة هتلر بعد الإهتمام وبسبب ذلك لم تكن مفاجأة لهم حين استقبلوا الضيوف المهمين الذين تم إخبارهم بقدومهم ولم يكونوا إلا هتلر وإيفا براون. كما أنه كانت هناك الكثير من الإستعدادات الأمنية حيث وصول طاقم أمني قام إثنان من أفراده بمرافقة فريق المشتريات الى البلدة من أجل التأكد من عدم انتشار إشاعات عن الضيوف المحتملين. وقد كانت كارمن تورينجوي تلقت أوامر مسبقة بإعداد قائمة طعام تغلب عليها الأطعمة النباتية والأطباق الألمانية التقليدية خصوصا لحم الحملان وفراخ الحمام المفضلة لدى هتلر.
إن إخفاء أي أخبار عن أبناء أنجبهم هتلر كانت له علاقة بأمور دعائية حيث كان يتم الترويج له بأن حياته مرتبطة مع مصير ومجد الأمة الألمانية الذي هو الشاغل الوحيد للزعيم النازي. ولكن إيفا براون أنجبت ثلاثة أبناء من هتلر هم: Uschi التي كانت تعرف بلقبها Ursula والتي ولدت في منطقة سان ريمون الإيطالية في ليلة رأس السنة الميلادية ١٩٣٨, إبنة أخرى إكتشفت إيفا أنها حاملٌ بها عندما وصلوا الى المزرعة في مقاطعة باتاغويا وإبن آخر ذكر ولد ميتا سنة ١٩٤٣ وتوفي الطبيب المشرف على الولادة في حادث سيارة قد يكون مدبرا. إبنة هتلر Ursula وصلت الى الأرجنتين قادمة من إسبانيا عمرها ٦ سنين على متن سفينة أرجنتينية حيث كان هيرمان فيجلين زوج شقيقة والدتها في استقبالها حيث استقل الجميع طائرة الخطوط الجوية الأرجنتينية Curtis Condor وهي نفس الطائرة التي أقلَّت هتلر وإيفا برااون الى وجهتهم النهائية في مزرعة سان ريمون في مقاطعة باتاغويا على مبعدة ٥٦ ميل من الحدود مع دولة تشيلي. أما زفاف هتلر وإيفا براون الذي عقد في الحصن الواقع أسفل مبنى المستشارية في العاصمة برلين لم يكن إلا زفافا عقد بين الأشخاص البدلاء الذين اختارهم مارتن بورمان حتى يمثلوا دور هتلر وإيفا براون. أما الزفاف الحقيقي فقد عقد في كنيسة كاثوليكية خاصة تقع في مزرعة سان ريمون.
إن عملية تتبع آثار هتلر أو محاولة البحث عنه كانت عملية عقيمة حيث حرص مارتن بورمان على إخفاء جميع التفاصيل حول تنقل هتلر وإيفا براون وحياتهما الخاصة. فقد أخبر طاقم العمل في مزرعة سان ريمون بعد تسعة أشهر أنَّ الضيفين قد توفيا في حادث سيارة ولك الحقيقة أن هتلر و زوجته قد قاما بالإنتقال الى مقر إقامة أخر يقع في منطقة Inalco قرب الحدود بين الأرجنتين و تشيلي والذي كان مقر الإقامة الدائم لهما في المنفى.
إن الشواهد على إختفاء هتلر في تلك المنطقة متعدِّدَة وكثيرة. أحد هذه الشواهد أن الزوجين شوهدا في منتجع صحي جران هوتل فيينا (Gran Hotel Viena) في مقاطعة قرطبة قرب بلدة تدعى ميرامار(Miramar) على ضفاف بحيرة Mar Chiquita. هتلر كان يمضي فترة نقاهة بعد خضوعه إلى عملية جراحية من أجل استخراج شظية ناجمة عن تحطم طاولة من خشب البلوط حيث انفجرت قنبلة خلال محاولة اغتيال هتلر في وكر الذئب(العملية فالكيري). المنتجع بناه ماكس فالكي (Max Pahlke) وهو أحد عملاء أجهزة المخابرات الألمانية حيث كان المنتجع يخضع الى حماية أمنية ووجود هوائي إتصالات وخزان مائي مرتفع عن سطح الأرض وبرج آخر للمراقبة مما يتيح مراقبة للمنطقة على مدار الساعة ورصد أي شخص أو مركبة غريبة من القادمين إلى المنتجع. شاهد آخر هو إختفاء طاقم الغواصات الثلاثة التي كانت ضمن الطاقم الذي أقلَّ هتلر وهي U-1235, U-880, U-518. وعلى الرغم من قيام الحكومة الأرجنتينية بتسليم عشرات من بحارة السفن الحربية الألمانية الذي لجئوا الى الأرجنتين إلا طواقم الغواصات الثلاثة, فقد أخبرت الحلفاء أنه وبعد البحث لم تعثر على أحد منهم في أراضيها.
أحد رجال المقاومة الفرنسية والذي كان يطمح الى أن يكون صحفيا زار بلدة (Casino) في محافظة (Rio Grande De Sol) حين كان يقوم بجولة سياحية في عدة بلدان من أمريكا اللاتينية وشاهد شبيهة إيفا براون في مطعم الفندق الوحيد في البلدة حيث تمكن من الحصول على إذن خاص من أجل حضور حفلات موسيقية فيها. البلدة كان فيها كل ما يثير الريبة حول وجود هتلر, مغلقة على الغرباء وتحتاج الى إذن خاص من أجل دخولها, فيها فندق وحيد يحتوي على لاسلكي وهو ما لم يكن مألوفا في الفنادق بشكل عام, مساكنها عبارة عن مجموعة من الفلل وسكانها جميعهم المان ليس بينهم شخص واحد غريب. التقرير الذي أرسله ذلك الصحفي الفرنسي أثار انتباه رجال الإف بي آي خصوصا عندما ذكر أنه طُلب منه مغادرة الفندق عندما أثار فضوله الشك والريبة لدى العاملين فيه.
أما مارتن بورمان والذي كان العقل المدبر لعملية هروب هتلر قد عاد إلى ألمانيا بعد الإطمئنان على ترتيبات إقامة هتلر وأقام قرب التلال المحيطة بمدينة ميونخ وشوهد عدة مرات هناك أحدها أمام السفارة الإسبانية والأخرى من شخص مرَّت بقربه سيارة يستقلها بورمان حيث قدَّمَ شهادته الى السلطات المختصة في المانيا وجهاز الإف بي أي الأمريكي. أسرة مارتن بورمان رفضت جميع التقارير التي تحدَّثت عن موته وإكتشاف جثَّتِهِ كأنهم يخفون أمرا ما عن السلطات المختصة و وسائل الإعلام.
يتبع……
No comments:
Post a Comment